محمد بن علي الشوكاني

5811

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، وأصلي وأسلم على رسولك ، وآله أفضل صلاة وأكمل سلام . وبعد : فإنه كثيراً ما يجري على ألسن الناس ويتساءلون عنه قولهم : هل الأدب خير من الامتثال ، أو الامتثال خير من الأدب ؟ فأردت كشف الكلام عن هذا المرام بمعونة ذي الجلال والإكرام . فأقول : هذا الأدب المذكور في هذا السؤال لا بد أن يحمل على ما لم يدل عليه دليل ، لأنه لو دل عليه دليل بخصوصية أو عموم يندرج تحته لم يصح السؤال من أصله ، لأن الأدب الذي دل الدليل عموماً أو خصوصاً مطلوب بدليله ، ففعله من الامتثال فلا يصح أن يقابل به الامتثال في هذه العبارة ، فتقرر لك بهذا أن الأدب المسؤول عنه هو الذي لم يدل عليه دليل ، ولكن فعله فيه تأدب من الفاعل تستحسنه العقول ، وتقبله الطباع . وإذا كان الأمر هكذا فالسؤال طائح من أصله ، مندفع بجملته ، لأن امتثال أمر الشارع هو الشرع الذي أمرنا الله - سبحانه - باتباعه ، ونهانا عن مخالفته كما قال - سبحانه - : { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } ( 1 ) ، { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ( 2 ) ، { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } ( 3 ) { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ( 4 ) ، { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ( 5 )

--> ( 1 ) [ الحشر : 7 ] . ( 2 ) [ آل عمران : 31 ] . ( 3 ) [ النساء : 59 ] . ( 4 ) [ النور : 51 ] . ( 5 ) [ النساء : 65 ] .